الاثنين، 21 مايو، 2012

* أي ديمقراطية في الجحيم..

د. ليلى نقولا الرحباني

أي ديمقراطية في الجحيم العربي القادم!
د. ليلى نقولا الرحباني
نشر يوم الخميس في 17 أيار - الثبات
يسوّق الكثير من الغرب الداعم للإسلاميين الواصلين في الحكم في العالم العربي، أن هذا العالم يتجه إلى نموذج من الديمقراطية المشابهة للديمقراطية التركية والتي يحكمها ما يسمونه "الإسلام المعصرن او الموردن". ولكن ما هي حقيقة موقف الإسلاميين الجدد من الديمقراطية؟
بالرغم من وجود تيارات إسلامية متعددة على الساحة العربية اليوم، لكن الفكر المسيطر الذي يتصارع غلى هم مزيج من الإخوان المسلمين، والسلفيين، والتيار الوهابي. ونظرة هؤلاء للديمقراطية كما يلي:
1- الإخوان المسلمين
بالرغم من أن بعض الباحثين أشاروا إلى قبول مرشدهم ومؤسس التنظيم "حسن البنّا" بالديمقراطية، مرتكزين إلى: ترشحه للانتخابات النيابية في مصر مرتين؛ وانه ألقى محاضرة عام 1948 بمقر جمعية الشبان المسلمين بعنوان: الديمقراطية الإسلامية، تأكيده على أن النظام البرلماني ينسجم من حيث المبدأ مع نظام الحكم الإسلامي.
لكن مواقف البنّا ورسائله لا تعكس موافقة أو تأييدًا للنظام الديمقراطي، فالديمقراطية ليست مجرد انتخابات ونظام برلماني فحسب، وإنما تتألف من معايير عدّة أخرى لم يكن البنّا يوافق عليها، وأهمها:
-       ينفي البنّا مبدأ السيادة الشعبية ومنطق المساءلة، فالحاكم بنظره مسؤول أمام الله عن الشعب وحكمه لهم وليس أمام سلطة دنيوية.
-       بالرغم من موافقة البنّا على مبدأ الانتخابات، لكنه حدد أن على الأمة واجب الاختيار فقط من بين "أهل العقد والحل”، أي أن البنّا لا يوافق على مبدأ المساواة في الفرص والمساواة في حق الترشح للجميع
-        لا يعترف البنّا بمبدأ المساواة في المواطنية، ويعتبر أن الإسلام يحمي الأقليات غير المسلمة فقط من باب البرّ والإحسان، وليس من مبدأ احترامهم لحقوقهم المواطنية في الدولة.
-       لا يقرّ البنّا التشريع المنبثق من الإرادة الشعبية، ويعارض التعدديّة الحزبية، إذ يرى أن الأحزاب السياسية تهدد الوحدة الإسلامية، ودعا إلى حلّها جميعًا ودمجها في حزب واحد.
-        لا يعترف البنّا بالمساواة بين الرجل والمرأة، فالمرأة يجب أن تتعلم تدبير المنزل وكيفية تربية الطفل والعلوم الأساسية ولا حاجة لها للتبحر بالعلوم.
أما مرشدهم سيد قطب فعارض بشدة وصف الإسلام بأنه ديمقراطيّ، ودعا إلى دكتاتورية عادلة تضمن الحرّيات السياسية للصالحين فقط..
اليوم، هناك الكثير من الإشارات التي تفيد بأن هؤلاء لم يغيروا رأيهم في ما خص الديمقراطية، ويمكن الإشارة إلى مواقف الإخوان المسلمين بعد الثورات، وتصريح ارودغان الذي اعتبر أن الديمقراطية "حافلة" يركبونها للوصول إلى السلطة فقط، وبعدها يتخلون عنها؛ فالديمقراطية نظام كفر لا يجوز قبولها ولا الإقرار بمبدأ سيادة الشعب أو مبدأ حرية التدين والاعتقاد ولا مبدأ فصل السلطات.
2- التيار الوهابي
هو أكثر التنظيمات الإسلامية قدرة مالية تؤمنه لها السعودية ودول الخليج النفطية. وقد ازداد قوة وتوسّع مع الثورة النفطية في الدول الخليجية، في السبعينات من القرن العشرين، التي صرفت المليارات من الدولارات في نشر تعاليم العقيدة الوهابية المتشددة في البلاد العربية والعالم، من خلال المدارس القرآنية وغيرها.
وهذا التيار لا يؤمن بأي شكل من أشكال المشاركة في الحكم لا ديمقراطي ولا سواه، بل يقوم على مبدأ الاستئثار وتكفير الآخر وإلغائه، وممارسة العنف باسم الجهاد في سبيل الله ضد من كل من يخالفهم ويعارضهم حتى من ضمن مذهبهم. ويعتبرون أن غاياتهم النهائية هي إقامة دولة الخلافة الإسلامية.
تكمن خطورة هذا التيار في نزعته الإلغائية التكفيرية التي لا تقبل شريكاً، وهو يحاول السيطرة التدريجية على مصر، والتغلغل في الساحة السورية، وذلك لأن قيام حكمي وهابي فيها، يمكّنه من العودة إلى لبنان والسيطرة عليه بقوة إلغائية أيضاً، كما يساعده في زيادة نفوذه في العراق، وتهديد السلطة الحاكمة فيه.

3- التيار السلفي:
بالنسبة للديمقراطية، يتصور بعض المشايخ السلفيين أن الديمقراطية هي "شرع الكفار ومنهج وثني"، وعلى المستوى الفكري هي قبول صريح بالأدب الإباحي وأدب الزنادقة، ويحكم فيها "الفساق والعصاة والكفار والنساء والمحاربون لدين الله" ومن ثم فهي تؤدي حتمًا إلى انتشار الإباحية والشذوذ. ومؤخرًا، قام السلفيون بتحريض النساء في موريتانيا على التظاهر ضد العلمانية والديمقراطية.

وهكذا يشهد العالم العربي، وسوريا بالتحديد، في المرحلة الراهنة تقاطع مصالح بين التيارات الثلاث وخاصة بين تيار "الإخوان المسلمين" والتيار الوهابي، فهم يريدون الوصول إلى السلطة في مرحلة أولى والتخلص من الحكام السابقين ومنهم بشار الأسد، لفرض سيطرتهم على المنطقة.
وفي حال سقوط نظام الأسد في سوريا، يستطيع هؤلاء عندئذ السيطرة على المنطقة بأكملها وعلى لبنان كبلد صغير وضعيف وهش سياسيًا. وبعد السيطرة الفعلية لن يقيم أي من هؤلاء حكمًا ديمقراطيًا ولا مدنيًا بل سيقومون بإلغاء الآخرين، ولن يعترفوا بحقوق للأقليات بل سيهجّرونهم وسيقومون بالقضاء على كل فكر معارض لهم حتى في مذهبهم. كما نتوقع حصول معارك إلغائية بين التيارات الإسلامية المذكورة، فبالرغم من تقاطع المصالح الموجود الآن في المدى القصير، نجد تبايناً بينهما يصل إلى حد العداء، واختلافاً في السياسات والمنطلقات والدعم الذي يتلقونه، وهذا سيجعلهم يتحاربون فيما بينهم بوسائل عنفية الغائية.
هكذا، لن يحقق حكم الإسلاميون الجدد أي ديمقراطية في العالم العربي، بل نرى أن المنطقة تتجه من الأوتوقراطية السابقة إلى الثيوقراطية الأوتوقراطية التي ستؤدي إلى مزيد الجهل والتعصب والتكفير، وستكثر الفتاوى التكفيرية فتغرق في الفوضى وعدم الاستقرار، والى المزيد من تهجير الأقليات.

الخميس، 17 مايو، 2012

الوباء الغريب..؟


zaman
الوباء الغريب..؟
*غريب ما حدث في الوطن، والأغرب ما استطاعوا فعله في العقول، فلقد غادر العقلاء عقولهم، واتفقوا على عقلنة اللامعقول، هي نوع من الفوبيا انتشرت كالوباء، فوبيا الآخر الكافر المريب؟، وباء دخل العقل الجمعي العربي، فلا شفاء منه، ولا دواء، إلى أن يفني ذاته، بذاته؟..  وباء يدفع الكل في اهتياج نحو وادي الموت والانتحار..؟
مما لا شك فيه أن تطورات هامة قد طرأت على الواقع العربي والإقليمي، غيرت الكثير من المفاهيم، فلم تعد العروبة والناصرية والماركسية والخط الوطني، تبعا، تحمل كما كانت ذات التوضحات والتوجهات، فالبعض انطلاقا من طيفهم الديني قد لبس عباءة التكفيريين، وخلع عنه ما كان يعرف بالمنطق العلمي والعقلي، وفي ظنه أنه في ذات توازنه العقلي يعيش وفي ذات منطقه التحريري يسير..؟ وهكذا فما يسري بين الجماعة من وشوشات وإشاعات غيبية أو غبية، وممارسات متمسرحة مضحكة، وتوجهات يسري عليه أيضا، فيخالف وأصحابه من يخالفهم في طيفه، وإن كان في ما يطرحه الآخر، موفور الفائدة صحيحا..؟ وباتوا ينظرون إلى إخوانهم الآخرين في الوطن، على أنهم مريبين طالحين وكفارا؟! ، يتحتم استئصالهم، فيلمحون أو يجهرون حسب الحال على المسامع في ما يفهم منه المعنى، وفي أحيان أخرى: يتحدثون في لغة التهجير والتطهير دون مواربة أو حياء؟، وباتوا يتبارعون في ما بينهم في مشهديات استعراض خصوصية تمايزهم أمام المواطنين الآخرين الوادعين من وطنهم، لكن المخالفين في الاعتقاد الديني؟، فيها يعلنون أنواع اصطفائهم العليائي، وطهرانهم وعرفانهم السماوي، فلا تشارك حواري مع من يخالفهم، ومن هو دونهم، ولا تعايش، ولا تساكن؟، فكل ما يقوله الآخر كاذب وفيه لغة المؤامرة والمكر، إذن فعلى الآخر أن يرحل؟؟!!، ولهم أن يستعينوا إن لم يستطيعوا بمن أرادوا، فقد أباح لهم الله بما لم يبحه لأحد، وحلل لهم الاستعانة حتى في ملوك الجن الحمر والشياطين..؟

الأربعاء، 16 مايو، 2012

الحلول في سورية

حركة القوميين العرب

zaman
*هل الحلول في سورية تتجاوز الساحة الإقليمية إلى حرب كبرى..؟
لا يخفى أن طبيعة الأحداث على الساحة السورية، منذ أواسط آذار 2011، ليست في حقيقتها سوى صراع كوني على المصالح، مركزه دمشق، وليس هذا بجديد، وإنما متجدد مع ما طرأ من متغيرات، في طبيعة الاقتصاد العالمي، ومن نهوض دول كبرى، وهبوط أخري لا سبيل لها لبقاء وضعها ودورها، سوى تنفيذ  مخططاتها ومشاريعها كما تعودت، على حساب الغير..؟
وعليه تدخل مهام كوفي عنان، وفريق مراقبيه الأمميين في سورية، ضمن تسويات خفية غامضة، أنتجها تداعيات فشل دول حلف الناتو في أهدافها من إمكانية تصنيع ثورة في سورية من أبنائها على غرار العديد من ثورات الناتو الربيعية أو الملونة في بلاد العرب، التي أطاحت بحكومات ليست مثلى، لكن لم تأت هذه إلا بالفوضى، ومع أن طبيعة الوضع السياسي الاجتماعي في سوريا لا يسمح في هكذا طروحات، وبدائل، ولا يستجيب لها، إلا أن المعنيين في دول الحلف آثروا المغامرة، في تجربة نوعية أخرى، يمكن أن تتلخص، في تصدير الثورات، عبر تهيئة ظروفها الاقتصادية والحياتية، وإشغال الدولة والحكومة والشعب، وشراء الذمم والعملاء، وضخ إعلامي مهيج يقلب الحقائق، ويفترض الأحداث، لإضعاف هيبة الدولة والتشكيك بها، لشق صفوف الشعب، وإشعال المنازعات بأنواعها بين طوائفه ومذاهبه وإثنياته، ذلك عبر فاعليات دولية، وبواسطة خبراء في التهييج وتصنيع الفتن والنزاعات ترسل إلى الداخل، من رتبة سفير له حصانته إلى ما دون، بالإضافة إلى خبراء مدربون على القتل الإفتراسي والجريمة من مرتزقة الجريمة في العالم وتنظيماتها وشركاتها..
 لكن لندع جانبا هذه التسويات الدولية الغير مرئية بالنسبة للمواطن السوري في تفاصيلها، إلا أنه تماشيا مع متخيلات الصراع والأحداث، والطموحات اليقينية في أمكانية تنفيذ مثل هذه المشاريع الإغتصابية في العالم، تمت الموافقة على مهام كوفي عنان، استجرارا لعالم افتراضي لا صلة له بالواقع، فأين أطراف الصراع في سوريا، هنالك صراع على الأرض السورية، لكن بين قوى خارجية يجري تهريبها ومقاتليها وعتادها إلى الداخل السوري، تحت غطاء ما يسمى (الجيش الحر)، أي أن لا أرضا لها، وقد أثبتت الوقائع الميدانية صحة ذلك؟، وتحت غطاء سياسي لا وجود لمادته المعارضة على الأرض السورية كما بطرح ويعلن عنه، والمسمى المعارضة السورية ومن يدعي تمثيلها في مجلس اسطنبول..؟ وبين الحكومة السورية كطرف آخر، يجسده تواجدها المعلن الفاعل والصريح والوحيد على الساحة السورية،
 إذن ليس هنالك أطراف حقيقية في معادلة كوفي عنان، ولا إمكان لتحقيقها ضمن الفاعلية اليقظة لكل من القيادة السورية، والشعب السوري، إذن ما هو البديل..؟ إن ما يحضر له من بدائل، وما يعلن عنه من قبل كوفي عنان أنه الفرصة الأخيرة.. لا يفهم، فأين الاتفاق مع الطرف الآخر المفترض (المعارضة) لوقف إطلاق النار..؟ إن المراقبين يراقبون أشباحا في سوريا؟، فبعض الحواضن السورية المتسترة المأجورة، لا تعني شرعية وجود، إذ لا وجود لمعارضين ومقاتلين سوريين معارضين، وإنما لمأجورين متسللين مقاتلين يتخفون بين الأهالي، أو في فواصل خط الحدود، وما وراءه، والحدود واسعة وكبيرة، وهؤلاء يعملون ضمن مشروع دول الناتو، أي خونة وعملاء، وليس ضمن مشروع وطني، تحريري أو بنائي، أما مواصفاتهم أنهم طلائع الغزو على الأرض السورية، وهذا ما يحتم فشل مهمة كوفي عنان، لفشله في تحقيق معادلة مهام بعثة المراقبين، عبر الإصرار على تغييب حقيقة الوقائع، فما هو البديل،
 إن ما يجري التعتيم عليه في الساحة السورية من قبل معسكر القوى المعادية، عدم الاعتراف في خلوها من المعارضة الفاعلة ومسلحيها، كما يصوروها ويسوقوها..؟ في ما يعنيه هذا أن الأعداء الحقيقيين الذين بتلبسون المعارضة ومسلحيها، أفرادا أو جماعات..؟ هم أطراف أغراب، بؤرهم ومكامنهم وقواعدهم هي في خارج الحدود، وهم أعداء للشعب والدولة؟، يتواءمون في مصالحهم مع الغزو، وتنفيذ مشاريع الناتو التي فيما تتضمنه احتلال وهدم سوريا، وإنهائها كدولة، ومجتمع..؟
 إذن إلى ماذا يفضي إليه ما سبق، استنتاجا: 1- فشل مهمة عنان: بما بنيت عليه من وجود طرفي نزاع على الأرض السورية، قد يفتح الباب على افتراض تحميل مسؤولية ما يجري من عنف للحكومة السورية، إلى تدخل عسكري دولي أممي لفض النزاع المفترض بين المتقاتلين، أو باسم الدفاع عن الطوائف المضطهدة وشعبها التي يجري عادة التعبير عنه (حرب أهلية)، وأن إرهاصات هذه تبدو جلية فيما يجري إعداده في لبنان، وكوسوفو، ودول أخرى، وفي إعلانات صريحة لمسؤولي السعودية وقطر وتونس وليبيا، وتركيا
 2 – إن إثبات الحكومة السورية، وفق معطيات الوقائع، لحقيقة النزاع والعنف على أنه نتاج نزاع دولي، تتقصد من خلاله الدول الطامعة في الاحتلال، على تقويض الدولة السورية احتلال أراضيها وتهجير أهاليها من خلال مقاتلين أغراب.. يترتب عليه واجب الدفاع الوطني عن أراضيها، وتحقيق الأمان لشعبها، ولربما ضرورة إعلان الحرب على تلك الدول التي تسمح في هكذا انتهاكات من أراضيها، فهل تستجر سوريا إلى هكذا حلول، وهل تكون مثل هذه الحلول مدخلا تتجاوز الساحة الإقليمية إلى حرب كبرى..؟

الأحد، 29 أبريل، 2012

أسلمة الثورات العربية..

فرانسوا باسيلي

العقلية السحرية.. وأسلمة الثورات العربية..
فرانسوا باسيلي:

عندما أعلنت جماعة الإخوان المسلمين ترشيحها للمهندس خيرت الشاطر لرئاسة الجمهورية المصرية ناقضة تعهدها السابق بعدم التقدم بمرشح للرئاسة مستدرة بذلك سخط الكثيرين من داخل الجماعة وخارجها، بادئين حملة تهاجم الجماعة وتهاجم مرشحها، قال مرشد الجماعة مهددا هؤلاء المهاجمين بأن عليهم الكف عن مهاجمة الشاطر لكيلا 'يدعو عليهم' فيصيبهم مكروه كما 'دعى' على الرئيس المخلوع مبارك فثار عليه الشعب وخلعه.

هذا الكلام الذي يبدو نوعا من الهزل لم يقله المرشد هازلا وإنما كان جادا جدا، ذلك أن هذا النمط الفكري ليس جديدا أو غريبا على الإخوان، فمنهم من قال أن اغتيال الرئيس السادات كان عقابا إلهيا له لاعتقاله عددا كبيرا من القيادات الإخوانية قبلها بشهر واحد (الطريف أن بعض الأقباط قالوا أن نهايته كانت بسبب عزله للبابا واعتقاله لعدد من رجال الدين المسيحي)، كما أن الإخوان أيضا هم من قالوا أن هزيمة الجيش المصري في حرب الأيام الستة عام 67 لم تكن إلا عقابا إلهيا لعبد الناصر بسبب تعذيبه للإخوان في السجون، حتى أن بعض قادة الإخوان سجدوا لله شكرا على تلك الهزيمة بينما قال بعضهم أيضا أن انتصار العبور الباهر عام 73 كان سببه عودة مصر إلى الله مع عودة الإخوان إلى العمل في الشارع المصري وتشجيع السادات لذلك وبداية ما أسموه بالصحوة الإسلامية.

وحيث أن هذه الجماعة تمسك الآن بتلابيب مجلسي الشعب والشورى في مصر وتنافس على رئاسة الجمهورية وكانت تطمع في أن تكتب الدستور المصري حتى صدور حكم قضائي أعلى ببطلان لجنتها التأسيسية، يصبح من المهم دراسة نمط التفكير الذي يحكم رؤية وذهنية هؤلاء المنوط بهم إدارة دفة الأمور في مصر لسنوات قادمة، خاصة وأن تخبطهم السياسي وأخطاءهم الفادحة خلال الشهور الثلاثة الأولى في مجلس الشعب أثارت تساؤل الكثيرين عن نمط التفكير المسيطر على جماعات التشدد الديني هذه، وهو ما أشير له في مقالي هذا بالعقلية السحرية.

النمط الفكري الذي يفسر ما يحدث في الواقع من أحداث جسام وصغار باعتبارها تدخلا إلهيا مع هذا وضد ذاك من الأفراد أو الجماعات أو الشعوب مناصرة لطرف ضد الآخر (حتى مباريات كرة القدم لا تسلم من هذا النمط الفكري فنجد الآن في مصر 'فرق الساجدين' الذين يسجدون لله شكرا بعد إحراز كل هدف- ولا أدري بماذا يفسرون إحراز خصومهم أهدافا ضدهم هل يرونها غضبا من الله عليهم وهجرانه لهم؟!). هذا النط الفكري الذي يقفز فوق الواقع ويرفض أو يعجز عن أن يرى حركة الأشياء والحوادث حسب قانون المسببات والنتائج (cause and eect) وحسب الأسلوب العلمي في التفكير الذي يحترم العلم والمنطق، هو ما يصدر عن العقلية السحرية، تلك العقلية التي بدأ بها الإنسان رحلته التطورية الطويلة على الأرض، عندما كانت مراكز عقله العاطفيEmotional أكبر وأقوى من مراكزه المنطقية Rational التي نمت وتطورت بعد ذلك حتى أصبحت قادرة على فحص وفهم نفسها وعلى فحص وفهم العالم من حولها، كاشفة أسراره ومستنطقة قوانينه التي خلقها عليه خالق الكون.

هذه العقلية السحرية هي ظاهرة إنسانية عامة بالطبع وليست خاصة بالإخوان المسلمين فقط في مصر، فهي موجودة في كل مجتمع وكل جماعة بشرية ولكن الفرق هو في نسبة انتشار هذه العقلية في المجتمع- ومدى تمكنها من النخبة القيادية التي تقود المجتمع ثقافيا وسياسيا واجتماعيا، ففي المجتمعات الغربية اليوم التي تمثل التطور الحضاري الأعلى في لحظتنا التاريخية لا تكاد تجد أثرا لهذه العقلية السحرية بين النخب القيادية لمجتمعات هذه الدول- مع وجود الاستثناء لكل قاعدة بالطبع. وكمثال حديث على هذا حادثة لاعب كرة القدم الأمريكي تيم تيبو الذي شوهد يركع على قدمه ويحني رأسه راسما علامة الصليب بعد فوز فريقه 'دينفر برانكوز' مما أثار عاصفة من التعليقات بعضها مؤيد ولكن معظمها معارض لإقحام الدين في الرياضة، ولكن أحدا لم يمنعه فهذه حرية شخصية، ولكن النخب الإعلامية والثقافية في المجتمع حرة أيضا في انتقاد ما يفعله، فراحت البرامج الفكاهية تسخر منه سخرية شديدة مما سيجعل هذه ظاهرة فردية تمر وتنتهي ولا تتحول إلى هوس جماعي يقحم مراسم التدين في الساحة الاجتماعية العامة التي يحرص الأمريكيون أن تظل ساحة مواطنة مشتركة بعيدة عن المظاهر الدينية بقدر الممكن، مع عدم منع أحد من ممارسة شعائره الدينية في أماكن العبادة أو أماكن سكنه، وهنا الفرق الذي أتحدث عنه، فالنخب في المجتمعات الغربية تحرص على قيم المواطنة العامة التي لا يمكن الحفاظ على طهارتها وحيادها إلا بإبقائها بعيدة عن الممارسات والاشتباكات الدينية.

ولكن في مصر خاصة والمجتمعات العربية بشكل عام، ما يزال الخلط على أشده بين الممارسات والشعائر والمظاهر الدينية وبين كافة جوانب الحياة الاجتماعية والسياسية فتجدها في كل مكان وعلى كل لسان في الشوارع والمكاتب والحافلات والتجمعات والهيئات والنقابات والإعلام والمدارس والجامعات... تجد هذه كلها مستغرقة بشكل كامل في مظهريات الدين وأدبياته وأساليبه ولغته الصوتية والجسدية، وخلال هذا الاستغراق المخل ترتع العقلية السحرية وتطلق لنفسها العنان مقدمة تفسيراتها اللا علمية اللا منطقية لما يحدث وما يقال قافزة بجرأة وجهالة تحسد عليهما فوق الواقع وفوق العقل والمعقول، متواجدة دائما في فضاء مجازي يقع بين الأرض والسماء ولا يستند على أي منهما، تقيم هذه الذهنية بشكل إنفصامي بجزء منها في الواقع وجزء آخر في منطقة متخيلة مختلقة من غلالات الأوهام والأحلام والآلام والشبقيات الإنسانية المتوغلة في الغريزة المهيجة بالعاطفة الدينية والجسدية معا.

ورغم أن العقلية السحرية تملك القدرة على التعايش مع آليات الواقع اليومي وتستطيع إجادة التعامل مع أدواته بما في ذلك أكثر المنتجات الصناعية والتجارية والتكنولوجية حداثة- إلا أنها تفشل في القدرة على الإحاطة بالمنطق العقلي والمنهج العلمي وراء هذه المنتجات والآليات، فهي قادرة على استعمالها وليست قادرة على إنتاجها أو إبتكار مثلها أو ما يتجاوزها، لذلك نجد مجتمعاتنا غير قادرة سوى على استهلاك ما تنتجه العقلية الواقعية العلمية. كما تعجز العقلية السحرية في مجال الرؤية المستقبلية وما يتطلبه ذلك من قدرة على استيعاب الواقع الحقيقي وفهم حركته وفلسفته ومنهجه حتى يمكن تجاوزه والتخطيط العلمي للمستقبل الممكن، فالعقلية السحرية تقف متجهة للوراء واضعة الماضي والسلف نصب عينيها، مقيمة إقامة وجدانية شبه كاملة في التاريخ متلبسة تلبسا شبه شامل للتراث بكل أدبياته وأقواله ومنطقه البدائي ونظرته المبسطة للكون والحياة، ولذلك تفشل دائما في رؤية المستقبل أو حتى ملاحقة الحاضر وفهم ومعالجة أساليبه وقضاياه، فعندما تمسك هذه العقلية بمقاليد الأمور في مجتمع ينحدر بالضرورة ويتخلف حضاريا.

هذه العقلية السحرية هي ما يقدمه لنا التيار الديني الصاعد الآن لتولي مقاليد الأمور في مصر وعدد آخر من بلدان الثورات العربية، ففي هذه البلدان قام الشباب بالثورة ولكن خطف الإسلاميون الثمرة، ورغم أن التيار الإسلامي في تونس أول البلدان الثائرة- يبدو أكثر وسطية واتساعا فكريا- بسبب ارتفاع مستوى التعليم بشكل عام في تونس لسنوات عديدة قبل الثورة بسبب الرؤية المدنية للزعيم التونسي الراحل الحبيب بورقيبه وإصراره على تطوير العقلية السحرية إلى عقلية علمية عصرية مستنيرة، إلا أن بقية الدول العربية التي لا تتمتع بمستوى مماثل من التعليم والمدنية مرشحة لأن تهوى أكثر فأكثر في قبضة العقلية السحرية الصاعدة المتمكنة، وعليه فإن ما عانى منه المجتمع المصري لأكثر من ثلث قرن من سيطرة العقلية السحرية على الشارع والوجدان المصري وما حملته من تراجع للعلم والتعليم وصعود مستمر لمظهريات وأدبيات وبهلوانيات التزمت الديني المشجع للغلو في التحريم والتكفير والسمع والطاعة والتقوى المظهرية الزائفة وشطط الشعوذة والأحجبة والسحر والجن والعفاريت والتدخلات الإعجازية المتخيلة في كل كبيرة وصغيرة من حياة الناس، وطوفان الفتاوى المنحرفة عن جادة الصواب المجافية للسليقة الإنسانية والتي تنهال على الناس من أفواه الدعاة والمدعين في جرأة واجتراء على الحق والعقل والذوق السليم- كل هذه مرشحة لأن تتمادى وتتوسع وتتوغل وتتغول على كل شيء آخر، فتقتل الفكر والعلم والإبداع والفن والحرية والكرامة الإنسانية، وتصبغ المجتمع بلونها الأوحد الأسود الذي بالإضافة إلى كل هذه التشوهات يعيد وأد المرأة وتكفينها وهي حية ترزق.

رأينا هذه العقلية السحرية وهي تتحدث وتتصرف أمامنا في الساحة السياسية العامة وفي مجلس الشعب المصري فرأينا فيها ومعها العجب العجاب- هذا يرفع الآذان في وسط الجلسة، وذاك يطالب بعدم تعليم اللغة الإنجليزية في المدارس، وهذا يرفض الوقوف حدادا على رحيل بابا الأقباط، وذاك تشغله قضية ماذا ترتدي السائحة على الشاطئ، ثم رأينا صفقات ورقصات سياسية وتراجعات ومراجعات فقهية تبرر نقض العهد والتنصل من الوعد، فرأينا الإخوان يخلفون كل عهد قطعوه ووعد قدموه، ويتخلون عن شباب الثورة وميدانها بل يهاجمون الثوار وينظمون المليونيات ضدهم مناصرة للمجلس العسكري قبل أن ينقلبوا عليه، واصلين في النهاية إلى الافتضاح السياسي الأعظم حين قدموا مرشحين اثنين للرئاسة، مما دفع الآخرين إلى ترشيح اللواء عمر سليمان ذراع الرئيس المخلوع، فما دام قد نزع الجميع برقع الحياء والأدب السياسي، فليفعل كل ما شاء، وتدخلت عقلية النخبة المصرية المعتدلة في النهاية ممثلة في القضاء الإداري'ولجنة الانتخابات'كاسحة المتشددين من التيار الديني ومن الفلول، ومبطلة الاختيار الإخواني المعيب للجنة التأسيسية للدستور،'ليعود بعض التعقل للساحة السياسية في مصر، ولكن بعد افتضاح الارتباك الهائل والتقلب المعيب لهذا التيار الذي يرفع الرايات الدينية ويحشد لنا الآيات في خطابه السياسي المتلاعب.أهمية مناقشة 'العقلية السحرية' الآن تنبع من اعتقادي بأن الانحدار الحضاري الذي وصلت إليه مصر على يدي الرئيس المخلوع لم يكن فقط بسبب فساد نظامه وغيبوبته السياسية وضحالته القيادية ولكن أيضا بسبب أن الحياة المصرية قد وقعت منذ السبعينات في براثن العقلية السحرية المتمثلة في التشدد الديني والتطرف الفكري والسلوكي لتيار الإسلام السياسي برمته من الإخوان للجماعات الإسلامية المختلفة المتفرخة عنهم وصولا إلى السلفيين. لا يستطيع مجتمع تمكنت العقلية السحرية الممثلة في هؤلاء من كافة مفاصله أن يحرز أي تقدم حضاري بل هو محكوم عليه بالتقهقر والانحدار إلى قاع الأمم بكافة المقاييس الدولية كما حدث لمصر على مدى ما يقرب من أربعين عاما.

لقد تخلصت مصر من العقلية السحرية على مستوى قادتها ونخبها الفاعلة مرتين فقط في تاريخها الحديث، مرة على يد محمد على وأخرى على يد عبد الناصر، وفي الحالتين حققت مصر قفزة نوعية هائلة في فترة زمنية صغيرة، في الحالتين حققت الدولة وقائدها رؤية مدنية علمية عصرية قامت بإقصاء قادة العقلية السحرية من الساحة وإعادة تدشين الإسلام المصري الوسطي الذي يتعايش مع العصرية ومع الإنسان. ليس صدفة أن مصر 'عرفت' في الستينيات - في فترة غياب الإخوان عن الساحة الفاعلة - أزهى عصورها الثقافية والعلمية والصناعية والفنية والإبداعية والتقدم الاجتماعي والانفتاح العصري، وليس صدفة أن مصر بدأت مسيرة انحدارها الحضاري المتسارع بعد رحيل عبد الناصر مع صعود تيار الإسلام السياسي وتوغله في الجامعات والنقابات والهيئات والمصالح المصرية المختلفة حتى وصلنا إلى مجتمع يصلي ولا يعمل، يرتل ولا ينتج، يؤدي المناسك ولا يؤدي ما عليه من واجبات، ويؤذن في مالطة التي خربت.

أن يقوم أصحاب العقلية السحرية بقيادة دولة هو الحكم على الأمة بالانحدار حتى الانقراض، محاولة التشبه والتمسح بتركيا محاولة فاشلة لأن الإسلام التركي لم يصل إلى ما هو عليه اليوم من وسطية ورؤية عصرية مدنية إلا بعد الثورة الشاملة على العقلية السحرية التي قام بها كمال اتاتورك الذي انتزع مجتمعه من براثن الدعاة والسرير المرضي لحكم ومفهوم وفكرة الخلافة والحكم بأمر الله، فوضع بلاده بصرامة وإصرار على طريق الدولة الحديثة والمجتمع العصري والذهنية العلمية، وقد نشأت عدة أجيال على هذا الدرب الأتاتوركي الذي كان متطرفا بلا شك حتى نجدها اليوم تعود إلى حالة من التوازن بين دور الدين في المجتمع وبين دور الجوانب الإنسانية الأخرى لكي يتعايش معها لا أن يسيطر عليها أو يطردها، وإلى حد ما قام كل من محمد علي وعبد الناصر بدور مشابه بإنقاذهما لمجتمعهما من تسلط الدعاة واقتحامهم لكافة مناحي الحياة ووضع الدين في سياقه الطبيعي الصحيح فاستطاعا تحقيق نهضة لا ينكرها إلا المتضررين منها من أصحاب العقلية السحرية.

التشدد الديني يعتمد على الأتباع والنقل، بينما تعتمد الحضارة وتؤسس على الإبداع والنقد، ولذلك ينحسر أحدهما حين يصعد الأخر، الإسلام السياسي الذي روج شعار 'الإسلام هو الحل' لا يملك حلا لقضايا الحضارة العصرية ناهيك عن الحل للقضية الروحية التي يختزلها في الوعظ والإرشاد والمعونة الاقتصادية. لن يتقدم مجتمع تكون الدروشة الدينية هي هويته الأساسية، لم تتقدم أوروبا سوى بنقلة نوعية من قيد الإتباع إلى حرية الإبداع فالإبداع هو جوهر التفوق الغربي وجوهر كل تفوق حضاري، وهو مفتاح القوة والتقدم عبر التاريخ البشري.

على القيادات والنخب السياسية والثقافية في مصر والعالم العربي اليوم مواجهة شعوبها بهذه الحقيقة، وعليها مطالبة جماهيرها باعتناق الإبداع كأسلوب وحيد للخلاص من التخلف والنهوض من المستنقع الحضاري الحالي. نعم الديمقراطية هي الحل ولكن لا ديمقراطية مع خلط الدين بالسياسة كما تفعل العقلية السحرية، ولا ديمقراطية بلا حرية فكرية والحرية الفكرية هي في النهاية من ستفضح خطل وخطر العقلية السحرية وتحصن الأجيال القادمة من فيروسها الوراثي المدمر.

'
كاتب من مصر، يقيم في نيويورك