![]() |
| د. ليلى نقولا الرحباني |
أي ديمقراطية في الجحيم العربي القادم!
د. ليلى نقولا الرحباني
نشر يوم الخميس في 17 أيار - الثبات
يسوّق الكثير من الغرب الداعم للإسلاميين الواصلين في
الحكم في العالم العربي، أن هذا العالم يتجه إلى نموذج من الديمقراطية المشابهة
للديمقراطية التركية والتي يحكمها ما يسمونه "الإسلام المعصرن او الموردن".
ولكن ما هي حقيقة موقف الإسلاميين الجدد من الديمقراطية؟
بالرغم من وجود تيارات إسلامية متعددة على الساحة العربية
اليوم، لكن الفكر المسيطر الذي يتصارع غلى هم مزيج من الإخوان المسلمين،
والسلفيين، والتيار الوهابي. ونظرة هؤلاء للديمقراطية كما يلي:
1- الإخوان المسلمين
بالرغم من أن بعض الباحثين أشاروا إلى قبول مرشدهم ومؤسس
التنظيم "حسن البنّا" بالديمقراطية، مرتكزين إلى: ترشحه للانتخابات
النيابية في مصر مرتين؛ وانه ألقى محاضرة عام 1948 بمقر جمعية الشبان المسلمين
بعنوان: الديمقراطية الإسلامية، تأكيده على أن النظام البرلماني ينسجم من حيث
المبدأ مع نظام الحكم الإسلامي.
لكن مواقف البنّا ورسائله لا تعكس موافقة أو تأييدًا
للنظام الديمقراطي، فالديمقراطية ليست مجرد انتخابات ونظام برلماني فحسب، وإنما
تتألف من معايير عدّة أخرى لم يكن البنّا يوافق عليها، وأهمها:
- ينفي البنّا مبدأ
السيادة الشعبية ومنطق المساءلة، فالحاكم بنظره مسؤول أمام الله عن الشعب وحكمه
لهم وليس أمام سلطة دنيوية.
- بالرغم من موافقة
البنّا على مبدأ الانتخابات، لكنه حدد أن على الأمة واجب الاختيار فقط من بين
"أهل العقد والحل”، أي أن البنّا لا يوافق على مبدأ المساواة في الفرص
والمساواة في حق الترشح للجميع
- لا يعترف
البنّا بمبدأ المساواة في المواطنية، ويعتبر أن الإسلام يحمي الأقليات غير المسلمة
فقط من باب البرّ والإحسان، وليس من مبدأ احترامهم لحقوقهم المواطنية في الدولة.
- لا يقرّ البنّا
التشريع المنبثق من الإرادة الشعبية، ويعارض التعدديّة الحزبية، إذ يرى أن الأحزاب
السياسية تهدد الوحدة الإسلامية، ودعا إلى حلّها جميعًا ودمجها في حزب واحد.
- لا يعترف
البنّا بالمساواة بين الرجل والمرأة، فالمرأة يجب أن تتعلم تدبير المنزل وكيفية
تربية الطفل والعلوم الأساسية ولا حاجة لها للتبحر بالعلوم.
أما مرشدهم سيد قطب فعارض بشدة وصف الإسلام بأنه
ديمقراطيّ، ودعا إلى دكتاتورية عادلة تضمن الحرّيات السياسية للصالحين فقط..
اليوم، هناك الكثير من الإشارات التي تفيد بأن هؤلاء لم
يغيروا رأيهم في ما خص الديمقراطية، ويمكن الإشارة إلى مواقف الإخوان المسلمين بعد
الثورات، وتصريح ارودغان الذي اعتبر أن الديمقراطية "حافلة" يركبونها
للوصول إلى السلطة فقط، وبعدها يتخلون عنها؛ فالديمقراطية نظام كفر لا يجوز قبولها
ولا الإقرار بمبدأ سيادة الشعب أو مبدأ حرية التدين والاعتقاد ولا مبدأ فصل
السلطات.
2- التيار الوهابي
هو أكثر التنظيمات الإسلامية قدرة مالية تؤمنه لها
السعودية ودول الخليج النفطية. وقد ازداد قوة وتوسّع مع الثورة النفطية في الدول
الخليجية، في السبعينات من القرن العشرين، التي صرفت المليارات من الدولارات في
نشر تعاليم العقيدة الوهابية المتشددة في البلاد العربية والعالم، من خلال المدارس
القرآنية وغيرها.
وهذا التيار لا يؤمن بأي شكل من أشكال المشاركة في الحكم
لا ديمقراطي ولا سواه، بل يقوم على مبدأ الاستئثار وتكفير الآخر وإلغائه، وممارسة
العنف باسم الجهاد في سبيل الله ضد من كل من يخالفهم ويعارضهم حتى من ضمن مذهبهم.
ويعتبرون أن غاياتهم النهائية هي إقامة دولة الخلافة الإسلامية.
تكمن خطورة هذا التيار في نزعته الإلغائية التكفيرية التي
لا تقبل شريكاً، وهو يحاول السيطرة التدريجية على مصر، والتغلغل في الساحة
السورية، وذلك لأن قيام حكمي وهابي فيها، يمكّنه من العودة إلى لبنان والسيطرة
عليه بقوة إلغائية أيضاً، كما يساعده في زيادة نفوذه في العراق، وتهديد السلطة
الحاكمة فيه.
3- التيار السلفي:
بالنسبة للديمقراطية، يتصور بعض المشايخ السلفيين أن
الديمقراطية هي "شرع الكفار ومنهج وثني"، وعلى المستوى الفكري هي قبول
صريح بالأدب الإباحي وأدب الزنادقة، ويحكم فيها "الفساق والعصاة والكفار
والنساء والمحاربون لدين الله" ومن ثم فهي تؤدي حتمًا إلى انتشار الإباحية
والشذوذ. ومؤخرًا، قام السلفيون بتحريض النساء في موريتانيا على التظاهر ضد
العلمانية والديمقراطية.
وهكذا يشهد العالم العربي، وسوريا بالتحديد، في المرحلة
الراهنة تقاطع مصالح بين التيارات الثلاث وخاصة بين تيار "الإخوان
المسلمين" والتيار الوهابي، فهم يريدون الوصول إلى السلطة في مرحلة أولى
والتخلص من الحكام السابقين ومنهم بشار الأسد، لفرض سيطرتهم على المنطقة.
وفي حال سقوط نظام الأسد في سوريا، يستطيع هؤلاء عندئذ
السيطرة على المنطقة بأكملها وعلى لبنان كبلد صغير وضعيف وهش سياسيًا. وبعد
السيطرة الفعلية لن يقيم أي من هؤلاء حكمًا ديمقراطيًا ولا مدنيًا بل سيقومون
بإلغاء الآخرين، ولن يعترفوا بحقوق للأقليات بل سيهجّرونهم وسيقومون بالقضاء على
كل فكر معارض لهم حتى في مذهبهم. كما نتوقع حصول معارك إلغائية بين التيارات الإسلامية
المذكورة، فبالرغم من تقاطع المصالح الموجود الآن في المدى القصير، نجد تبايناً
بينهما يصل إلى حد العداء، واختلافاً في السياسات والمنطلقات والدعم الذي يتلقونه،
وهذا سيجعلهم يتحاربون فيما بينهم بوسائل عنفية الغائية.
هكذا، لن يحقق حكم الإسلاميون الجدد أي ديمقراطية في
العالم العربي، بل نرى أن المنطقة تتجه من الأوتوقراطية السابقة إلى الثيوقراطية
الأوتوقراطية التي ستؤدي إلى مزيد الجهل والتعصب والتكفير، وستكثر الفتاوى
التكفيرية فتغرق في الفوضى وعدم الاستقرار، والى المزيد من تهجير الأقليات.



